Sunday 7th of June 2020

بظل جائحة كورونا.. قانونيا كيف تحمي استثماراتك في تركيا؟

أنس سليم زين الدين

كغيرها من دول العالم، أثر انتشار فيروس كوفيد ١٩ في تركيا على العديد من الاستثمارات في شتى القطاعات. فقد أعلنت وزارة الداخلية التركية في منتصف شهر مارس الماضي إغلاق أماكن الراحة والترفيه العامة التي من شأنها زيادة خطر انتقال الفيروس بين المواطنين. وقد شمل هذا الإغلاق المؤقت دور السينما وصالات الغناء والأفراح والمطاعم التي تقدم عروضا موسيقية وجميع أنواع المقاهي ومقاهي الإنترنت وصالات الألعاب وأماكن لعب الأطفال المغلقة والنوادي والملاهي والمسابح والحمامات الشعبية وصالات الساونا والتدليك والمراكز الرياضية.

هذا الإغلاق أثر بشكل كبير على المستثمرين في قطاع المطاعم وأماكن الترفيه، فرغم الإغلاق، ما زالوا مطالبين بدفع تكاليف إيجار المطاعم من قبل أصحاب العقارات ورواتب الموظفين. كذلك المستثمرون في قطاع الفنادق، فرغم تأثرهم الشديد بقرارات تعليق رحلات الطيران الدولية والداخلية وإغلاق الحدود، لكنهم ما زالوا مطالبين بدفع إيجارات الفنادق ورواتب الموظفين.

فما هي القرارات التي اتخذتها تركيا لحماية هذه الاستثمارات، وما هي الخيارات التي تمنحها القوانين التركية لأصحاب هذه الاستثمارات، مما يمكنهم من تحمل التكاليف الحالية لحين انتهاء هذه الأزمة العالمية. هذا السؤال يقودنا للسؤال الأهم، ما هو تأثير جائحة كورونا المستجد (كوفيد – ١٩) على مختلف العقود التي قام بإبرامها المستثمرون قبل انتشار الفيروس، وهل من الممكن اعتباره قوة قاهرة أو ظرفا طارئا، وهل يمكن القبول به كتبرير لفسخ العقد أو تعديل بعض بنوده.

الفكرة الأساسية التي سعى المشرع التركي لها من خلال سن العديد من القوانين ذات العلاقة، هي فكرة العدالة المجردة في مشاركة الدائن للمدين في الخسارة الناشئة عن وباء كورونا، والتي يستحيل أو يصعب مع نتائجها تنفيذ العقود المبرمة قبل انتشار هذا الفيروس. فليس من العدل في ظل هذه الظروف، أن يطالب صاحب عقار المطعم أو الفندق المستأجر بكامل قيمة الإيجار.

ولذلك سن المشرع التركي المادة الثانية المؤقتة من القانون رقم ٧٢٢٦، والذي تم قبوله في البرلمان التركي في نهاية شهر مارس، وبموجبه تم منح مستأجر مكان العمل إمكانية عدم دفع قيمة إيجار مكان العمل لمدة أربعة أشهر، من بداية شهر مارس وحتى نهاية شهر حزيران. وبناء عليه لن يتمكن صاحب العقار من فسخ عقد الايجار، وإنما يحق له المطالبة بإيجار الأربع شهور بعد مضيهم مع غرامة التأخير.

لكن ربما حتى دفع هذه الإيجارات لاحقا بغرامات التأخير، يمثل أمرا مرهقا وصعبا على كثير من المستثمرين. لذا يبقى السؤال أليس من مسوغ قانوني يعطي الحق للمستثمر بعدم دفع الايجار نهائيا طيلة أزمة كورونا، أو حتى على الأقل يعفيه من جزء منه من خلال تعديل بنود عقد الإيجار. وإذا تناولنا الموضوع بشكل أوسع، ما هو تأثير هذا الوباء على الالتزامات التعاقدية في أي عقد مبرم قبل انتشار الوباء. وما هو المسوغ القانوني الذي يمكن الاستناد اليه، لمن وصل باستثماره لطريق مسدود، أولمن أرهقه هذا الوباء ماديا.

لدينا نظريتين ولنَقُل مسوغين قانونيين، سيكونا الأكثر تداولا في هذه الفترة وفترة ما بعد وباء كورونا. النظرية الأولي هي نظرية القوة القاهر، أما النظرية الثانية فهي نظرية الظروف الطارئة. قبل الخوض في تفاصيل هاتين النظريتين، يجب التنبيه إلى أهمية مراجعة أحكام العقد المبرم بين الأطراف، حيث ربما تنص بعض العقود بشكل واضح على رفض اعتبار الوباء قوة قاهرة أو ظرفا طارئا، وبالتالي لن يكون بإمكان أي طرف الاستناد إلى أيا من هاتين النظريتين. أما إذا لم ينص العقد على أي مادة لها علاقة بهاتين النظريتين أو نص العقد على مادة تعتبر الوباء قوة قاهرة أو ظرفا طارئا، فحينها يمكن الاستعانة بالمادة ١٣٦ في حالة وجود استحالة دائمة لتنفيذ الالتزام، وبالمادة ١٣٧ في حال وجود استحالة دائمة متعلقة بتنفيذ قسم معين من الالتزامات المنصوص عليها في العقد. وأخيرا يمكن الاستعانة بالمادة ١٣٨ والتي سنفصلها لاحقا في حال كان الحديث عن صعوبة فقط في أداء الالتزام.

الفرق الرئيسي بين النظريتين هو من ناحية الأثر الحاصل على العقد نتيجة وباء كورونا. فإذا أدى انتشار الفيروس إلى استحالة تنفيذ المدين لالتزامه، فالمسوغ القانوني الذي يمكن الاستناد اليه هو نظرية القوة القاهرة. لكن إذا أدى انتشار الفيروس إلى إرهاق المدين لتنفيذ التزامه مع قدرته على ذلك، فالمسوغ القانوني الذي يمكن الاستناد اليه في هذه الحالة هو نظرية الظروف الطارئة. ويجب الانتباه هنا إلى أن المدين في حالة الظروف الطارئة، بإمكانه الإيفاء بالإلتزام، ولكن ذلك سيرهقه ماديا ويسبب له خسارة بشكل أو بأخر.

هذه الاستحالة المشترطة للحديث عن نظرية القوة القاهرة، تختلف بين عقد وأخر. فإذا كانت الاستحالة كاملة مطلقة يمكن فسخ العقد لاستحالة التنفيذ وفق المادة ١٣٦ من قانون الالتزامات التركي. على سبيل المثال في حال انهيار مبنى مؤجر بسبب زلزال وهو قوة قاهرة، حينها يكون من المستحيل أن يوفي صاحب العقار بالتزامه بتوفير المبنى للمستأجر وبالتالي لا يمكنه مطالبة المستأجر بقيمة الايجار.

أما إذا كانت الاستحالة جزئية مؤقتة، فحينها يمكن أن يتخذ المدين قرارا بوقف الالتزام وتعليقه إلى حين زوال الوباء مع إخطار الطرف المقابل بذلك دون أي تأخير. ويمكن القول بأن تأثير الوباء على كثير من العقود يمكن تقييمه على أنه استحالة جزئية مؤقتة، وذلك لأنه ومع زوال هذا الوباء، يمكن للمدين أداء الالتزام المطلوب منه. وقد أصدرت المحكمة العليا في تركيا العديد من قرارات تعليق الالتزامات الناشئة عن العقد لمدة معينة تسمى مدة التحمل.

على سبيل المثال عقود إيجار المقاهي. في هذا النوع من العقود، المستأجر مُلزَم بدفع الأُجرة، مُقابل اتاحة مالك المقهى فرصة الانتفاع بالمقهى للمستأجر. لكن حاليا بسبب انتشار الفيروس وصدور قرار الزامي بإغلاق المقاهي من السلطات التركية، يستحيل انتفاع مستأجر المقهى بالمقهى. وبناء عليه يحق للمُستأجِر وقف دفع الإيجارات فورا، إلى حين أن يصدر قرار بإمكانية فتح المقاهي. هنا على المستأجر اخطار المالك بعدم نيته دفع الإيجارات لحين انتهاء الأزمة، بسبب أن المالك لم يتمكن من اتاحة فرصة الانتفاع بالمقهى للمستأجر بسبب القوة القاهرة وهي اتخاذ السلطات قرار بإغلاق المقاهي للحد من انتشار الفيروس.

لم يقم المشرع التركي بسن أي قانون للتعريف بنظرية القوة القاهرة وتوضيح شروطها، ولذلك نلجأ لاجتهادات وقرارات المحاكم العليا ولأراء الأكاديميين والقانونيين المعروفين في هذا المجال. وبناء عليه يمكن تلخيص الشروط المطلوبة لتقييم جائحة كورونا كظرف قاهر مقبول قانونيا بالشكل التالي:

1) حدوث القوة القاهرة خارج إرادة طرفي العقد.

2) عدم إمكانية توقع حدوث هذه الجائحة عند التعاقد، أو عدم وجود أي إمكانية لتوقع أثارها الكبيرة على كافة الأصعدة رغم إمكانية توقع حدوث الجائحة نفسها.

3) استحالة إمكانية الإيفاء بالالتزام من قبل الطرف المدعي وجود قوة قاهرة، رغم أخذه لكل الاحتياطات الممكنة.

4) عدم وجود أي نص في العقد على عدم اعتبار الجائحة قوة قاهرة.

5) تأثر هذا النوع من العقود على مستوى الدولة، عند النظر للعلاقات القانونية المشابهة للعلاقة القانونية الموجودة في العقد قيد البحث.

لست بحاجة لرفع دعوى قضائية لفسخ العقد للاستناد إلى نظرية القوة القاهرة وإنما يكفيك ارسال اخطار للطرف المقابل، ولكنك بحاجة لرفع دعوى قضائية وقبل انتهاء أزمة هذا الوباء للاستناد على نظرية الظروف الطارئة

حتى اللحظة لم يصدر أي قرار لمحكمة عليا في تركيا، ينص بشكل مباشر على اعتبار جائحة كورونا قوة قاهرة، لكن عند النظر لقرار صادر عن المحكمة العليا بتاريخ ٢٧ حزيران ٢٠١٨ يحمل الرقم ٢٠١٨/١٢٥٩ ، نجد فيه نصا واضحا لا لبس فيه على أن الوباء هو قوة قاهرة كالفيضانات والجفاف والزلازل. وتأخذ المحاكم التركية أحكام العقد وظروف العلاقة القانونية بين أطراف العقد بعين الاعتبار عند فحصها لمدى إمكانية اعتبار حدث معين على أنه قوة قاهرة. وبناء عليه لا يمكن اعتبار جائحة كورونا قوة قاهرة لكل العقود المبرمة قبل هذه الجائحة، وإنما يجب تقييم كل عقد على حدة، فقد تعتبر قوة قاهرة بخصوص بعض العقود، بينما تعتبر ظرفا طارئا بخصوص عقود أخرى.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المحكمة العليا التركية لا تقبل بالاستناد إلى نظرية القوة القاهرة، فيما يخص عدم الايفاء بالالتزامات المادية في العقود المبرمة. ولذلك يمكن القول بشكل واضح فيما يخص الالتزامات المادية الناجمة عن العقود، بأن نظرية الظروف الطارئة هو المسوغ القانوني الأفضل والأصلح للاستخدام في ظل ظروف وباء كورونا.

فوفق نظرية الظروف الطارئة، يحق للمتعاقد المتضرر طلب تعديل شروط العقد من القضاء. وتسمى هذه الدعوى دعوى تعديل شروط العقد، والتي سنشهد رفع عشرات آلاف منها خلال هذا الوباء. وبالنظر إلى المادة ١٣٨ من قانون الالتزامات التركي، يمكن أن نستنتج التالي: في حال تسبب وباء كورونا بصعوبة تسديد الدين أو بصعوبة أداء التزام معين، يحق للمدين أو لمن عليه الالتزام طلب تعديل العقد. وهنا ينبغي على القاضي أن يرد الالتزام إلى الحد المعقول حتى يطيق المدين تنفيذه بغير إرهاق. وفي حال أن تعديل شروط العقد غير ممكن، فحينها يمكن للمتعاقد المضرور طلب إنهاء العقد من القاضي. لكن للاستناد إلى هذه النظرية يجب توافر الشروط التالية:

١) عدم إمكانية توقع حدوث هذه الجائحة من قبل الأطراف عند توقيعهم للعقد.

٢) ألا يكون للمدين أي يد في حدوث هذا الأمر.

٣) أن تكون الظروف الموجودة أثناء توقيع العقد قد تغيرت لدرجة كبيرة ضد المدين، لدرجة يجعل طلب الايفاء بالالتزام من المدين يخالف قواعد العدل وحسن النية.

٤) ألا يكون المدين قد أوفى بدينه أو أن يكون قد أوفى بدينه مع الاحتفاظ بحقوقه في حال الأسباب الطارئة.

على سبيل المثال عقود إيجار المطاعم، حتى اللحظة لم تتخذ السلطات التركية قرارا بإغلاق المطاعم، ولكن اتخذت قرارا بإغلاق مقاعد الجلوس في جميع المطاعم. وكان لهذا القرار الأثر الكبير على الكثير من المطاعم. هنا يمكن للمستأجر رفع دعوى قضائية على المؤجر وفي هذه الحالة هو مالك عقار المطعم، مستندا إلى نظرية الظروف الطارئة وصعوبة دفعه للايجار كاملا، نتيجة لتأثر أعماله بسبب قرارات السلطات العامة. وفي هذا الحالة سيقوم القاضي بفحص عقد الايجار، وفي حال عدم وجود نص في العقد يمنع تعديله، من المحتمل أن يحكم بتعديل شروط العقد إما بتخفيض قيمة الايجار أو بتعليق دفعه حتى مدة معينة الخ

وأخيرا وجب التنبيه إلى أهم فرق بين هذين المسوغين القانونيين نظرية القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة، وهو أنك لست بحاجة لرفع دعوى قضائية لفسخ العقد للاستناد إلى نظرية القوة القاهرة وإنما يكفيك ارسال اخطار للطرف المقابل، ولكنك بحاجة لرفع دعوى قضائية وقبل انتهاء أزمة هذا الوباء للاستناد على نظرية الظروف الطارئة، بناء على كل ما سبق، نجد أن المشرع التركي حمى المستثمرين بهذه التشريعات الموضحة في الأعلى. بحيث جعل عنوان هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها الأمة التركية هو التشارك بين الجميع في تحمل آثار هذا الوباء بشكل عادل. وبقي على كل مستثمر فحص كافة العقود التي أبرمها سابقا، واتخاذ القرار الأصوب في ضوء المعلومات القانونية الهامة المذكورة في الأعلى والتي تحفظ لكل ذي حق حقه.

السياحة في تركيا

بظل جائحة كورونا.. قانونيا كيف تحمي استثماراتك في تركيا؟

أنس سليم زين الدين

كغيرها من دول العالم، أثر انتشار فيروس كوفيد ١٩ في تركيا على العديد من الاستثمارات في شتى القطاعات. فقد أعلنت وزارة الداخلية التركية في منتصف شهر مارس الماضي إغلاق أماكن الراحة والترفيه العامة التي من شأنها زيادة خطر انتقال الفيروس بين المواطنين. وقد شمل هذا الإغلاق المؤقت دور السينما وصالات الغناء والأفراح والمطاعم التي تقدم عروضا موسيقية وجميع أنواع المقاهي ومقاهي الإنترنت وصالات الألعاب وأماكن لعب الأطفال المغلقة والنوادي والملاهي والمسابح والحمامات الشعبية وصالات الساونا والتدليك والمراكز الرياضية.

هذا الإغلاق أثر بشكل كبير على المستثمرين في قطاع المطاعم وأماكن الترفيه، فرغم الإغلاق، ما زالوا مطالبين بدفع تكاليف إيجار المطاعم من قبل أصحاب العقارات ورواتب الموظفين. كذلك المستثمرون في قطاع الفنادق، فرغم تأثرهم الشديد بقرارات تعليق رحلات الطيران الدولية والداخلية وإغلاق الحدود، لكنهم ما زالوا مطالبين بدفع إيجارات الفنادق ورواتب الموظفين.

فما هي القرارات التي اتخذتها تركيا لحماية هذه الاستثمارات، وما هي الخيارات التي تمنحها القوانين التركية لأصحاب هذه الاستثمارات، مما يمكنهم من تحمل التكاليف الحالية لحين انتهاء هذه الأزمة العالمية. هذا السؤال يقودنا للسؤال الأهم، ما هو تأثير جائحة كورونا المستجد (كوفيد – ١٩) على مختلف العقود التي قام بإبرامها المستثمرون قبل انتشار الفيروس، وهل من الممكن اعتباره قوة قاهرة أو ظرفا طارئا، وهل يمكن القبول به كتبرير لفسخ العقد أو تعديل بعض بنوده.

الفكرة الأساسية التي سعى المشرع التركي لها من خلال سن العديد من القوانين ذات العلاقة، هي فكرة العدالة المجردة في مشاركة الدائن للمدين في الخسارة الناشئة عن وباء كورونا، والتي يستحيل أو يصعب مع نتائجها تنفيذ العقود المبرمة قبل انتشار هذا الفيروس. فليس من العدل في ظل هذه الظروف، أن يطالب صاحب عقار المطعم أو الفندق المستأجر بكامل قيمة الإيجار.

ولذلك سن المشرع التركي المادة الثانية المؤقتة من القانون رقم ٧٢٢٦، والذي تم قبوله في البرلمان التركي في نهاية شهر مارس، وبموجبه تم منح مستأجر مكان العمل إمكانية عدم دفع قيمة إيجار مكان العمل لمدة أربعة أشهر، من بداية شهر مارس وحتى نهاية شهر حزيران. وبناء عليه لن يتمكن صاحب العقار من فسخ عقد الايجار، وإنما يحق له المطالبة بإيجار الأربع شهور بعد مضيهم مع غرامة التأخير.

لكن ربما حتى دفع هذه الإيجارات لاحقا بغرامات التأخير، يمثل أمرا مرهقا وصعبا على كثير من المستثمرين. لذا يبقى السؤال أليس من مسوغ قانوني يعطي الحق للمستثمر بعدم دفع الايجار نهائيا طيلة أزمة كورونا، أو حتى على الأقل يعفيه من جزء منه من خلال تعديل بنود عقد الإيجار. وإذا تناولنا الموضوع بشكل أوسع، ما هو تأثير هذا الوباء على الالتزامات التعاقدية في أي عقد مبرم قبل انتشار الوباء. وما هو المسوغ القانوني الذي يمكن الاستناد اليه، لمن وصل باستثماره لطريق مسدود، أولمن أرهقه هذا الوباء ماديا.

لدينا نظريتين ولنَقُل مسوغين قانونيين، سيكونا الأكثر تداولا في هذه الفترة وفترة ما بعد وباء كورونا. النظرية الأولي هي نظرية القوة القاهر، أما النظرية الثانية فهي نظرية الظروف الطارئة. قبل الخوض في تفاصيل هاتين النظريتين، يجب التنبيه إلى أهمية مراجعة أحكام العقد المبرم بين الأطراف، حيث ربما تنص بعض العقود بشكل واضح على رفض اعتبار الوباء قوة قاهرة أو ظرفا طارئا، وبالتالي لن يكون بإمكان أي طرف الاستناد إلى أيا من هاتين النظريتين. أما إذا لم ينص العقد على أي مادة لها علاقة بهاتين النظريتين أو نص العقد على مادة تعتبر الوباء قوة قاهرة أو ظرفا طارئا، فحينها يمكن الاستعانة بالمادة ١٣٦ في حالة وجود استحالة دائمة لتنفيذ الالتزام، وبالمادة ١٣٧ في حال وجود استحالة دائمة متعلقة بتنفيذ قسم معين من الالتزامات المنصوص عليها في العقد. وأخيرا يمكن الاستعانة بالمادة ١٣٨ والتي سنفصلها لاحقا في حال كان الحديث عن صعوبة فقط في أداء الالتزام.

الفرق الرئيسي بين النظريتين هو من ناحية الأثر الحاصل على العقد نتيجة وباء كورونا. فإذا أدى انتشار الفيروس إلى استحالة تنفيذ المدين لالتزامه، فالمسوغ القانوني الذي يمكن الاستناد اليه هو نظرية القوة القاهرة. لكن إذا أدى انتشار الفيروس إلى إرهاق المدين لتنفيذ التزامه مع قدرته على ذلك، فالمسوغ القانوني الذي يمكن الاستناد اليه في هذه الحالة هو نظرية الظروف الطارئة. ويجب الانتباه هنا إلى أن المدين في حالة الظروف الطارئة، بإمكانه الإيفاء بالإلتزام، ولكن ذلك سيرهقه ماديا ويسبب له خسارة بشكل أو بأخر.

هذه الاستحالة المشترطة للحديث عن نظرية القوة القاهرة، تختلف بين عقد وأخر. فإذا كانت الاستحالة كاملة مطلقة يمكن فسخ العقد لاستحالة التنفيذ وفق المادة ١٣٦ من قانون الالتزامات التركي. على سبيل المثال في حال انهيار مبنى مؤجر بسبب زلزال وهو قوة قاهرة، حينها يكون من المستحيل أن يوفي صاحب العقار بالتزامه بتوفير المبنى للمستأجر وبالتالي لا يمكنه مطالبة المستأجر بقيمة الايجار.

أما إذا كانت الاستحالة جزئية مؤقتة، فحينها يمكن أن يتخذ المدين قرارا بوقف الالتزام وتعليقه إلى حين زوال الوباء مع إخطار الطرف المقابل بذلك دون أي تأخير. ويمكن القول بأن تأثير الوباء على كثير من العقود يمكن تقييمه على أنه استحالة جزئية مؤقتة، وذلك لأنه ومع زوال هذا الوباء، يمكن للمدين أداء الالتزام المطلوب منه. وقد أصدرت المحكمة العليا في تركيا العديد من قرارات تعليق الالتزامات الناشئة عن العقد لمدة معينة تسمى مدة التحمل.

على سبيل المثال عقود إيجار المقاهي. في هذا النوع من العقود، المستأجر مُلزَم بدفع الأُجرة، مُقابل اتاحة مالك المقهى فرصة الانتفاع بالمقهى للمستأجر. لكن حاليا بسبب انتشار الفيروس وصدور قرار الزامي بإغلاق المقاهي من السلطات التركية، يستحيل انتفاع مستأجر المقهى بالمقهى. وبناء عليه يحق للمُستأجِر وقف دفع الإيجارات فورا، إلى حين أن يصدر قرار بإمكانية فتح المقاهي. هنا على المستأجر اخطار المالك بعدم نيته دفع الإيجارات لحين انتهاء الأزمة، بسبب أن المالك لم يتمكن من اتاحة فرصة الانتفاع بالمقهى للمستأجر بسبب القوة القاهرة وهي اتخاذ السلطات قرار بإغلاق المقاهي للحد من انتشار الفيروس.

لم يقم المشرع التركي بسن أي قانون للتعريف بنظرية القوة القاهرة وتوضيح شروطها، ولذلك نلجأ لاجتهادات وقرارات المحاكم العليا ولأراء الأكاديميين والقانونيين المعروفين في هذا المجال. وبناء عليه يمكن تلخيص الشروط المطلوبة لتقييم جائحة كورونا كظرف قاهر مقبول قانونيا بالشكل التالي:

1) حدوث القوة القاهرة خارج إرادة طرفي العقد.

2) عدم إمكانية توقع حدوث هذه الجائحة عند التعاقد، أو عدم وجود أي إمكانية لتوقع أثارها الكبيرة على كافة الأصعدة رغم إمكانية توقع حدوث الجائحة نفسها.

3) استحالة إمكانية الإيفاء بالالتزام من قبل الطرف المدعي وجود قوة قاهرة، رغم أخذه لكل الاحتياطات الممكنة.

4) عدم وجود أي نص في العقد على عدم اعتبار الجائحة قوة قاهرة.

5) تأثر هذا النوع من العقود على مستوى الدولة، عند النظر للعلاقات القانونية المشابهة للعلاقة القانونية الموجودة في العقد قيد البحث.

لست بحاجة لرفع دعوى قضائية لفسخ العقد للاستناد إلى نظرية القوة القاهرة وإنما يكفيك ارسال اخطار للطرف المقابل، ولكنك بحاجة لرفع دعوى قضائية وقبل انتهاء أزمة هذا الوباء للاستناد على نظرية الظروف الطارئة

حتى اللحظة لم يصدر أي قرار لمحكمة عليا في تركيا، ينص بشكل مباشر على اعتبار جائحة كورونا قوة قاهرة، لكن عند النظر لقرار صادر عن المحكمة العليا بتاريخ ٢٧ حزيران ٢٠١٨ يحمل الرقم ٢٠١٨/١٢٥٩ ، نجد فيه نصا واضحا لا لبس فيه على أن الوباء هو قوة قاهرة كالفيضانات والجفاف والزلازل. وتأخذ المحاكم التركية أحكام العقد وظروف العلاقة القانونية بين أطراف العقد بعين الاعتبار عند فحصها لمدى إمكانية اعتبار حدث معين على أنه قوة قاهرة. وبناء عليه لا يمكن اعتبار جائحة كورونا قوة قاهرة لكل العقود المبرمة قبل هذه الجائحة، وإنما يجب تقييم كل عقد على حدة، فقد تعتبر قوة قاهرة بخصوص بعض العقود، بينما تعتبر ظرفا طارئا بخصوص عقود أخرى.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المحكمة العليا التركية لا تقبل بالاستناد إلى نظرية القوة القاهرة، فيما يخص عدم الايفاء بالالتزامات المادية في العقود المبرمة. ولذلك يمكن القول بشكل واضح فيما يخص الالتزامات المادية الناجمة عن العقود، بأن نظرية الظروف الطارئة هو المسوغ القانوني الأفضل والأصلح للاستخدام في ظل ظروف وباء كورونا.

فوفق نظرية الظروف الطارئة، يحق للمتعاقد المتضرر طلب تعديل شروط العقد من القضاء. وتسمى هذه الدعوى دعوى تعديل شروط العقد، والتي سنشهد رفع عشرات آلاف منها خلال هذا الوباء. وبالنظر إلى المادة ١٣٨ من قانون الالتزامات التركي، يمكن أن نستنتج التالي: في حال تسبب وباء كورونا بصعوبة تسديد الدين أو بصعوبة أداء التزام معين، يحق للمدين أو لمن عليه الالتزام طلب تعديل العقد. وهنا ينبغي على القاضي أن يرد الالتزام إلى الحد المعقول حتى يطيق المدين تنفيذه بغير إرهاق. وفي حال أن تعديل شروط العقد غير ممكن، فحينها يمكن للمتعاقد المضرور طلب إنهاء العقد من القاضي. لكن للاستناد إلى هذه النظرية يجب توافر الشروط التالية:

١) عدم إمكانية توقع حدوث هذه الجائحة من قبل الأطراف عند توقيعهم للعقد.

٢) ألا يكون للمدين أي يد في حدوث هذا الأمر.

٣) أن تكون الظروف الموجودة أثناء توقيع العقد قد تغيرت لدرجة كبيرة ضد المدين، لدرجة يجعل طلب الايفاء بالالتزام من المدين يخالف قواعد العدل وحسن النية.

٤) ألا يكون المدين قد أوفى بدينه أو أن يكون قد أوفى بدينه مع الاحتفاظ بحقوقه في حال الأسباب الطارئة.

على سبيل المثال عقود إيجار المطاعم، حتى اللحظة لم تتخذ السلطات التركية قرارا بإغلاق المطاعم، ولكن اتخذت قرارا بإغلاق مقاعد الجلوس في جميع المطاعم. وكان لهذا القرار الأثر الكبير على الكثير من المطاعم. هنا يمكن للمستأجر رفع دعوى قضائية على المؤجر وفي هذه الحالة هو مالك عقار المطعم، مستندا إلى نظرية الظروف الطارئة وصعوبة دفعه للايجار كاملا، نتيجة لتأثر أعماله بسبب قرارات السلطات العامة. وفي هذا الحالة سيقوم القاضي بفحص عقد الايجار، وفي حال عدم وجود نص في العقد يمنع تعديله، من المحتمل أن يحكم بتعديل شروط العقد إما بتخفيض قيمة الايجار أو بتعليق دفعه حتى مدة معينة الخ

وأخيرا وجب التنبيه إلى أهم فرق بين هذين المسوغين القانونيين نظرية القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة، وهو أنك لست بحاجة لرفع دعوى قضائية لفسخ العقد للاستناد إلى نظرية القوة القاهرة وإنما يكفيك ارسال اخطار للطرف المقابل، ولكنك بحاجة لرفع دعوى قضائية وقبل انتهاء أزمة هذا الوباء للاستناد على نظرية الظروف الطارئة، بناء على كل ما سبق، نجد أن المشرع التركي حمى المستثمرين بهذه التشريعات الموضحة في الأعلى. بحيث جعل عنوان هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها الأمة التركية هو التشارك بين الجميع في تحمل آثار هذا الوباء بشكل عادل. وبقي على كل مستثمر فحص كافة العقود التي أبرمها سابقا، واتخاذ القرار الأصوب في ضوء المعلومات القانونية الهامة المذكورة في الأعلى والتي تحفظ لكل ذي حق حقه.